أصبحت أضيق ذرعا بكل شيء. لا أطيق أن ينظر إلي أحد. ثمة أشياء كثيرة تقلقني. نادل المقهى الذي يسألني في أدب ماذا أشرب؟ و عاملة التنظيف التي تراقبني و أنا أخرج من الطواليط هل سأدس في يدها درهما أم أمضي إلى حال سبيلي دون أن انظر إليها كما يفعل الكثيرون. و هذا الرجل الأشعث الذي يستأذن أن يقرأ جريدتي. و كل ما حولي، و من حولي، يقلقون راحتي. لا أعرف لم لا أحتمل جلوسي المتأمل في هذا المكان الصاخب. ضحكات زبناء المقهى تجلدني في غير رحمة، و الشاب الذي يقطر رقة و هو يتملى بطلعة الجالسة أمامه ينرفزني. من أين له بكل تلك الرقة المصطنعة؟..كل شيء مقرف هنا. حتى نفسي التي بين جنبي تسيل قرفا. أشعر بالغثيان. ماذا أكلت؟ ..القهوة الخامسة في هذا اليوم الطويل الممل بدأت تفعل فعلها. آه، نسيت أن أعرفكم بنفسي: أنا علال..ماشي علال القلدة ديال الفيلم المغربي. أنا علال آخر..نسيت تفاصيل الفيلم، مثلما أنسى أشياء كثيرة هذه الأيام، و أخشى - صدقوني- أن أنسى ما أريد كتابته هنا. أوف !الرجل الأشعث يستأذن مرة أخرى ليقرأجريدتي الأخرى. يحسب أن الأموال تهبط علي من السماء لمجرد أنني أقرأ جريدتين. يريد أن يعرف أخبار الناس على ظهري. أشعث و قرزاز، يا لطيف ! لا يهم، لعله موظف بسيط يمكل الشهر بخروج الروح. لو يعرف أنني عاطل لا يزال يأخذ مصروفه اليومي من والدته المقهورة: قهرها الزمان حين تزوجت أبي، و كملت الباهية حين ألقتني من رحمها ذات فجر مطير. زايد في الرعدة يا لطيف !.. و رغم أن صوتي يشبه الرعدية إلا أن قلبي أبيض مثل الثلج. أنا لا أحسد أحدا. تعلمت من والدتي أن الرزاق هو الله، و أن المكتوب ما منه هروب : شي عطاتو و شي زواتو. هذا هو حال الدنيا، تقول أمي. لكنني، اليوم، مشوش الذهن، و كل البياض الذي كان يلون مخيلتي استحال سوادا حالكا. لا أعرف لماذا لم أعد أطيق جارنا العجوز، يتمتم لوحده كالأبله و كأنه يحدث أشباحا لا نراها. و يقذفني، كلما رآني، بالسؤال القذيفة : " كاين شي خدمه و لا غ الدوران". و حين أهز رأسي بالنفي يهمهم : " إيوا، يجيب الله " ثم يعود إلى حديثه الخافت مع الأشباح التي لا نراها. أكرهه و أحسده. فرغ من الدنيا و فرغت منه. الكية كيتي أنا. أتذكر مقطعا من أغنية راي : " كية على كية و زدتني انتي
























